الانتحار بين الماضي والحاضر … 3

ذكرنا فيما سبق كيف كانت تنظر الحضارات القديمة للانتحار وكيف ان فلاسفة اليونان قديما كانوا يميلون له وان كانت الدولة نفسها كانت تمنعه لثلاث فئات هم العبيد والمجندين والمتهمون بجرائم عقوبتها الاعدام

فلنري الأن نظرة الأديان للانتحار

تعتبر اليهودية هي الديانة الابراهيمية الوحيدة التي تهاونت في أمر الانتحار الي حد اجازته …فلقد صدر أمر مباشر من موسي علي أثرارتداد اليهود علي أوامر الرب وطلب عملية انتحار جماعية بقتل كل انسان لاخيه الذي هو من صلبه وملته بل طلب قتل كل شخص ابنه وأخيه علي امل ان يعطيه الرب بركة…

(فقال لهم موسي هكذا قال الرب اله اسرائيل ضعوا كل واحد سيفه علي فخذه ومروا وارجعوا من باب الي باب في المحلة واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه )… ففعل بنو لادي بحسب قول موسي ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة الاف رجل … سفر الخروج 32-27.

..وقال موسي املأوا ايديكم اليوم للرب حتي كل واحد بابنه وبأخيه فيعطيكم اليوم بركة …سفر الخروج 32-29.

..ومن الواضح هنا بأن هناك عملية قتل من الجماعة لنفسها بنفسها …قتل منظم ينتهي بالابادة

… اما في سفر العدد 25-1 (واقام اسرائيل في شطيم وابتدأ الشعب يزنون مع بنات مؤاب ) فكان رد موسي علي هذا الانحراف …

(فقال موسي لقضاة اسرائيل اقتلوا كل واحد قومه المتعلقين ببعل فغور) سفر العدد 25-5

وهنا لا يعد قتلا … ولكنه عملية اختيارية ومنظمة … فليس هناك صراع بين طرفين انما اتفاق ضمني علي الغاء الكيان الروحي وانهاء وجود ولذلك تعد عملية انتحار جماعي

أيضا عندما سقطت ( الماسادا) وهي أخر قلعة يهودية في أيدي الرومان أثناء تمرد اليهود الأول ضد الامبراطورية الرومانية … قام القائد اليهودي اليعازر بن بائير (حسب رواية يوسيفيس) باقناع رفاقه بممارسة انتحار جماعي بدلا من الوقوع أسري بيد الرومان ناسبا هذا الي تعليمات الشريعة…وقد أدي هذا الي انتحار 960 من الرجال والنساء والاطفال المحاصرين اضافة الي اضرامهم النار في منازلهم ومخازن مؤنهم .

..واذا اعتبر البعض ما سبق هو فعلا عقابيا من الرب نفذه موسي لا اكثر وليس انتحارا …فهناك حالات انتحار تمت ولم يتم الرد عليها واعتبرت كحدث مقبول …فمثلا في موضوع انتحار النبي شاؤل …

( فقال داوود للغلام الذي أخبره كيف عرفت أنه مات شاؤل ويوناثان ابنه… فقال الغلام الذي أخبره …اتفق أني كنت في جبل جلبوع واذا شاؤل يتوكأ علي رمحه وأذا المركبات والفرسان يشدون وراءه فالتفت الي فرأني ودعاني فقلت ها انا ذا فقال قف علي واقتلني لأنه اعتراني الدوار لأن نفسي بعد في فوقفت عليه وقتلته ) سفر صوئيل 1.

..وهنا صورة كاملة لعملية انتحار.

.. كذلك في قصة اليهودي أخيتوفل الذي أشار بمشورة الي النبي داود وجيشه ولم يعمل بها فما كان رد فعله الا أن قرر أن ينتحر خنقا …

فلما رأي أخيتوفل أن مشورته لم يعمل بها …شد على الحمار وقام وانطلق الي بيته الي مدينته وأوصي لبيته وخنق نفسه ومات ودفن في قبر أبيه ) صفر صموئيل ثان 17-23…

قد تكون هذه مجرد حوادث فردية …لكن المهم أنه لم يذكر أي عتاب أو لوم أو توبيخ ووعيد علي كون هذا العمل غير مقبول في الشريعة اليهودية بل الأمر أكثر خطورة …ف شاؤل نبي وقد يعد انتحاره قدوة او سند شرعي للمؤمنين وأخيتول انتحر امام نبي الله داود الذي لم ينهيه ولم يعقب أو يزجر …دلالة علي أن الانتحار لم يكن مكروها ولم يتم التعقيب عليه في اليهودية.

الي اللقاء في الجزء الرابع

أمل جمال

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *