أمي…معلمتي الأولي

أمي معلمتي الأولى
قيل عن الفرق بين الحضارة والمدنية : إن الحضارة هي ما عليه الناس ، وأما المدنية فهي ما عملت أيديهم.
فالحضارة بناء على هذا هي أمر مرتبط برقي الإنسان من الداخل والخارج ، أما المدنية فهي الوسائل التي يستخدمها لتسهيل الحياة ، وإذا كان بعض الحضارة يأتي عن طريق التربية والثقافة فإن بعضها الآخر قد يأتي عن طريق الفطرة تلك التي يسمونها الاستعداد الأولي.
وعلى هذا فإن سماحة النفوس السمحة ، وسخاء النفوس السخية ، وما يستحسنه الناس فيما بينهم ليست مرتبطة بفقر أو غنى بل بالطاقة النفسية التي فطر الله بعض الناس عليها.
وأحسب أن أمي في عداد هذا النوع من الناس ، لم يتح لأمي أي قدر من التعليم الذي هو غنى العقول ، لا ولا أتيح لها قدر من المال الذي هو غنى الأجسام ، ولكنها تستغني ببعض قلبها عن بعض عقلها ، كما تستغني ببعض قناعتها عن بعض ما كان يجب أن تملك.
فحين كنا أفقر من أن يستعير منا الناس شيئا كان جيراننا الذين هم أغنى منا يستعيرون منا الأواني ، والأكواب ، وبعض أثاث البيت أحيانا!!!! ولن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي باعت فيه أمي سريرنا لتنقذ بعض الجيران من مشكلة كبرى فاضطررنا إلى النوم على الأرض حتى تمكنا من شراء سرير جديد وكنت في صغري أضيق بهذا أشد الضيق ، فلما كبرت وفهمت أدركت أن الذي فعلته أمي كان أكبر من أن تستوعبه طفولتي ، وفهمت بعد ذلك بوقت طويل أنه إذا لم يكن في حياتك من يستحق أن تضحي من أجله فليس في حياتك من تستحق أن يضحي من أجلك.
والجنيه هو أهون شيء على أمي حين تشتري به ما تحتاجه ، أو حين تدفعه إلى مستحق أو من أعلن عن أنه مستحق ، فكم كنت أسمعها تقول إن بيتنا مستور والحمد لله حين لا يكون في بيتنا إلا عشرة جنيهات أو عشرون جنيها ، كأنها أوثق ما تكون بالله حين يشتد علينا الفقر.
والعلاقة التي تربط أمي بجيرانها ومن تشتري منهم احتياجاتها علاقة عاطفية تقوم على الفضل لا على العدل ، فهي تشتري أحيانا لأننا محتاجون إلى هذه السلعة أو تلك ، ولكنها أحيانا أخرى تشتري لأن صاحب السلعة محتاج إلى مالنا ، وأذكر أننا في بعض سنوات العسرة طاف بنا طائف من الفقر الشديد ألجأنا إلى أن نتعامل بالشُّكك مع البقال الذي يلي دكانه بيتنا ، وكان طعام الرجل رديئا لا يكاد يحتمل فلما استقامت حالنا أقامت أمي على التعامل معه ورأت أن نصبر على طعامه الرديء مثلما صبر هو من قبل على فقرنا الرديء.
وهذه هي حال أمي في التعامل مع كل من تتعامل معهم بيعا وشراء ، فهي لا تفاصل في الأسعار ولا تصنع ما تصنعه بعض النساء من الذهاب إلى السوق آخر النهار ليصبن السلع رخيصة حتى وإن كانت وضيعة.
لهذا فإن الباعة لا يعاملونها كما يعاملون بقية الزبناء بل يعطونها أفضل ما لديهم ، وقد يتجاوزون ذلك إلى أن يدعوها إلى الإفطار معهم أو شرب الشاي وما أكثر المرات التي رأيت فيها بائعا أو صبي بائع يحمل لها مشترياتها إلى عتبة بيتنا دون أن يتخذ على ذلك أجرا.
وكم كانت دهشتي حين سألت أمي عن كتاب غالي الثمن أأشتريه أم لا؟ فقالت بلا تردد : إن كان يحرقك اليوم ثمن الكتاب فغدا تذهب حرقة الإنفاق وتبقى حلاوة الكتاب!!!.
وبهذه الروح تتعامل أمي مع الأشخاص والأشياء ، وهذا هو السبب في أن جاراتنا كن يحتكمن إليها حين ينشب بينهن نزاع أو يستشرنها فيما خفي فيه وجه الصواب ، ولعلكم لا تصدقون إن قلت لكم إن أصحابي كانوا يحبون أمي أكثر من محبتهم لي إلى الحد الذي يجعلهم يزورونها وأنا مسافر يأكلون ويشربون ويضحكون معها أنسا بروحها.
وأحسب أن حب جيراني وأصحابي لأمي إنما يرجع إلى سبب أساسي ، هو قدرتها الفذة على أن تضغط على نفسها من أجل غيرها حرجا أو استحياء أو حبا أو إشفاقا.
فكم من يوم رأيت فيه أمي عائدة من عملها منهكة القوى كانت تنتظر بفارغ الصبر أن تعود إلى بيتها لتمد جسمها المنهك على الفراش ، فما هو إلا أن تفعل ذلك حتى تدق الباب جارة أو صديقة آتية من مكان بعيد، فترغم أمي نفسها على أن تستيقظ مؤكدة لهذه الجارة أو الصديقة أنها أحسنت إذ جاءت في هذا الوقت لأن وراءها أعمالا كثيرة يجب أن تقوم بها ، وأن النوم كان سيصرفها عن هذه الأعمال فتشعرها أمي أنها قد أسدت إليها جميلا بما أيقظتها.
وأحسب أن هذه التضحيات جميعا قد هانت عليها بعد أن قامت بالتضحية الكبرى من أجلنا ، فقد مات أبي عنها وهي في الثامنة والعشرين ، ورغب رجال كثيرون في الزواج منها فأبت عليهم ذلك متحدية رغبة كل الراغبين فيها ومتحدية فوق ذلك رغبتها هي في بعض الراغبين ، وكرهت أن تأتينا برجل يدخل علينا الحماية والانكسار معا ، وحسبت أن شعورنا بالقهر الذي سوف يتركه زوج الأم في نفوسنا لن يزول حتى بعد أن نكبر.
هذا مع أن زواج الأرملة أو المطلقة لم يكن معيبا في الطبقة التي ننتمي إليها.
ولعل من أسباب حب الناس جميعا لها أنها أكتم الناس لسر تؤتمن عليه ، فتحت سقف غرفتنا الصغيرة كانت تتكوم أسرار النساء ، فزوج هذه مديون ، وزوج هذه لا يحسن الأداء في الفراش ، وهذه تقول عن تلك إن بيتها في منتهى العفانة ، وزوج هذه تاجر مخدرات ، وأمي تسمع سمع الأحياء وتسكت سكوت الموتى.
وإذا وقفت أمي على سر قد علمته من قبل فإنها لا تخبر المتحدثة الجديدة أنها قد علمته من قبل بل تظهر نفس الدهشة التي يتصف بها من يسمع خبرا جديدا.
لهذا لم يكن غريبا أن النساء اللاتي رحلن مع أسرهن كن يتعهدن أمي بالزيارة من حين إلى حين ويتحسرن على الأيام التي قضينها في حارتنا مع أمي.
وأمي ليست مولعة بما يتنافس الناس فيه من ألوان المفاخرة ، وذلك لأنها كانت تعد القليل الذي في يديها كثيرا تسأل الله أن يديمه كما هو بلا زيادة ولا نقصان ، فأحب الأوقات إليها هي تلك الأوقات التي تسترخي فيها لتحدثنا عن أيامها في الصغر، إذ كان كل شيء رخيصا والشوارع لا زحام فيها، والناس حريصون على المودة فيما بينهم، والسينما التي كانت تدخلها مع خالي ، وأبو حمامة ذلك الحلواني الذي كانت تأكل عنده كذا وكذا وما كان من حب عفيف بينها وبين جارها الشاب قبل أن تتزوج أبي ، وكنت أحيانا أسألها ساخرا أي شيء يعجبك في هذه الأيام وقد كنتم في فقر شديد ؟ فتجيب بكلمتين لا ثالثة لهما هما : راحة البال.
لهذا كانت تستكثر القليل وتعده نعمة كبرى ، وكانت تعرف في نفس الوقت كيف تجمل هذا القليل الذي في يديها حتى يكون محط الأنظار.
فقد كانت غرفتنا الصغيرة مزدانة بالورود الصناعية كما كانت أمي تحرص على مدى الانسجام بين ألوان الستائر والمفارش بحيث تبدو غرفتنا كأنها قطعة موسيقية مرئية لا مسموعة.
ولن أكتمكم القول أحيانا كان يغيظني بعض ما هي عليه من القناعة كما تضيق هي ذرعا ببعض ما أنا عليه من الطموح ، ولكنني رغم غيظي لم أزل أحسدها على هذه القناعة، كما أنها رغم قناعتها تشجعني على ما أنا عليه من الطموح.
وعلاقة أمي بالله علاقة غريبة ، فرغم أنها لا تكاد تتعدى الفرائض من صوم ، وصلاة ، وزكاة ، رغم ذلك فإنني أحس بمدى العناية الإلهية كلما حاقت بها أزمة.
فبعد أن سافر جيراننا المسيحيون إلى أمريكا ، تم بيع البيت إلى رجل غاشم لم يزل بالسكان يدفع إليهم الأموال القليلة حتى أجلاهم عن البيت بغية هدمه وإعادة بنائه ، واستطاع بالفعل أن يجليهم عن البيت جميعا إلا إيانا ، وأجهد نفسه في مضايقتنا غاية الإجهاد ، فما كان من أمي إلا أن دعت عليه فلا والله ما مرت إلا أيام قليلة حتى تورط في قضية ألجأته إلى بيع البيت وجميع ما كان يملك.
وظلت ملكية بيتنا تتنقل من مالك سيئ إلى مالك أسوأ خلال فترات قصيرة حتى آل أمره إلى رجل طيب أعاد بناءه وأعطانا شقة صالحة ، فكان مما قاله لأمي أنه استبشر بوجهها منذ أول مرة لقيها فيها.
ولن أنسى أبدا يوم جرحت يدها ثم التهبت ، فنقلناها إلى إحدى المستشفيات فأشار علينا الطبيب ببتر يدها خوفا على جسمها كله فتشاءمنا منه ونقلناها إلى مستشفى آخر ثم لم تلبث أن أجريت لها عملية جراحية استغرقت بضع ساعات استطاع خلالها الطبيب أن ينقذ يدها من البتر والتأم الجرح بعد شهور طويلة وكان الطبيب يؤكد لنا أن ما حدث كان بالفعل معجزة لأن البتر كان تقريبا هو الحل الوحيد.
وأحلام أمي لا تقل عجبا عن انفراج أزماتنا ، فكم من مرة أخبرتني في بحلم خير أو شر، فما يكاد ينقضي زمن قصير حتى نرى دلائل ذلك في الواقع من فرحة غير متوقعة أو مصيبة غير منتظرة.
ولن أستطيع أن أحصي لكم عدد الأزمات التي واجهناها ثم انفرجت من غير الطريق المتوقع ، ولم يكن يطول بي العجب فإنني أعلم أن من النفوس نفوسا لها مع الله طرق غير التي يعرفها أكثر الناس طرق يستشعرونها في أعماقهم وإن كانوا عاجزين عن أن يعبروا عنها أو يشرحوها لغيرهم .
هذه هي أمي تعلمت منها أن نتواصل مع الذين نحبهم وأن نصبر على الذين لا نحبهم ، وتعلمت منها أن الناس أهم من الزمن ، فقضاء الزمن في زيارتك لمريض بعيد أو إعانتك لمضطر ملهوف خير من إنفاق الزمن في عمل يدر عليك مالا ، وأن الزمن أهم من المال ، فاقتصاد الزمن الذي لا يعود أهم ألف مرة من اقتصاد المال الذي يمكن تعويضه.
وتعلمت منها أن بشاشة الوجه شباك حريرية لصيد القلوب النافرة ، وأذكر لكم هنا أنه كانت قد نشبت مشاجرة كبيرة بين أحد إخوتي وبعض الشباب ، فلما قدموا على بيتنا ليعتركوا مع أخي لقيتهم أمي بوجهها البشوش وقدمت لهم الشاي ورحبت بهم، فما كان منهم إلا أن رق كلامهم ولان عتابهم ثم تولوا عنا دون أن يقع شيء.
وتعلمت منها أن الصبر على الشدائد يهونها ويقوي نفوسنا وأن السخط على ما لا نرضى من القدر يضعفنا ولا يزيله ، نعم تعلمت هذا وغيره من أمي دون أن تنصحني به في يوم من الأيام ، تعلمته من عيشي معها فاستفدت منها أضعاف ما استفدته من نصح الناصحين نعم تعلمت منها كل ذلك ولكنني لم أستطع للأسف أن أكون مثلها.
وحين ماتت أمي رحمها الله منذ عامين انكسر في أعماقي شيء لا أظن الأيام قادرة على إصلاحه… لقد أصبحت حياتي تشبه طعام المستشفيات… ربما كان صحيا لكن ليس له من مذاق.
أجل لقد كنت أظن أنني فارقت الإحساس باليتم منذ أربعين سنة…فإذا أنا اليوم يتيم فوق الخمسين!!!

د.صلاح الدين عبد الله

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *