بلاش يا ويكة

بلاش يا ويكة
آه يا أحبائي لو رأيتم ويكة لعلمتم أنه عجيبة من عجائب الدنيا التي صارت أكثر من المتعجبين.
وويكة ليس اسمه بل هو الاسم الذي اخترته له ووافقني عليه الناس جميعا. والويكة هي البمية التي تم فركها بالمفراك وهي الأكلة المفضلة عند الفقراء من أهل الصعيد. ومن ثقلها سمينا صاحبنا ويكة. فهو لا يقل عنها ثقلا.
ولم نقنع بالتسمية بل اشتققنا منها مادة لغوية فإن قال أحدنا للآخر بلاش تويك علي فمعناه كف عن الابتزاز أو الرخامة.
كان ويكة لصا فاشلا ثم أصبح بنعمة الله نقاشا فاشلا!!. أو قل كان لصا لا يعمل حسابا للقانون فأصبح لصا يعمل حسابا للقانون. فالسرقة وعدمها مرتبطتان عنده بالمحاذير. ولا علاقة لهما بتأنيب الضمير.
ولو رأيت ويكة لما انقطعت عن أن تسبح الله على عجائب مخلوقاته.
فالبشلة التي تقطع وجهه بالطول أشهر من خط جرينتش. وأسنانه المكسرة قد جعلت فمه أشبه ما يكون بمقهى قد حان تشطيبها في الثانية صباحا.
والصلعة التي على رأسه تصلح أن تكون إعلانا لنوع ممتاز من السيراميك. وإذا أقبل عليك بوجهه يكلمك خيل إليك أنه مندوب وزارة الري. وأما ضحكته فتشبه توقيع الحجز على الدكاكين صباحا حين يقول الناس يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.
يقترض الإفطار. ويتسول الغداء. ويسرق العشاء. ويستأجر المشاريب. هذا سوى الفقر والفشل والكلى والكسل.
وبالاختصار الناس من نسل آدم وأما ويكة فمن سلالة عبرة علي عبرة.
ومع كل هذا فإنه ينظر إلى نفسه على أنه علاوة قد صرفها الله للجنس البشري نتيجة اجتهادهم في القرن الأخير!! ويرى نفسه ترمبة عصير مثلج في الصحراء الغربية في يوليو حيث المسافر أحوج ما يكون إلى الماء ولو كان عكرا لهذا فهو يريدك حين تلقاه أن تستعمله أكل وشرب ومخلل وحلويات.
ولو كان نظيفا من داخله لهان الأمر ولكن الشيء الوحيد الذي يخلص له ويكة هو عدم الإخلاص.
إن ائتمنته على سر أذاعه. وإن ائتمنته على مال أكله فأضاعه. وإن أمرته بتسخين الطعام أكل من الحلة. وإن أسندت إليه عملا عمل منه أقله. وإن احتجت إليه اختفى. وإن استغنيت عنه رجع
وآه ثم آه حين كنت أحتاج إليه ليقرأ لي شيئا أو ليكتب لي شيئا هنالك يجد الفرصة المواتية ليطلب الطعام والشراب والدخان والمال كما كانت تنتفخ أوداجه وتصيبه أورام في صميم الروح. لأن كثيرا من وضعاء العامة من ذوي النفوس الرخيصة تنتابهم نرجسية حادة حين يحتاج إليهم من هم أرفع منهم منزلة.
على أن من إحقاق الحق أن أقول لكم إن هذه لم تكن سيرته معي وحدي. بل كانت تلك سيرته مع كل زبائنه الذين يعمل عندهم.
نعم كان يدخل على الزبون بالحنجل والمنجل مقنعا إياه أن هذه المقاولة سوف تتم على أعلى مستوى من الجودة بأرخص سعر في أقل وقت فما هو إلا أن يتقاضى العربون حتى تبدأ جولة التلويد.
فبعد أن يعمل يومين أو ثلاثة يبدأ في البلطجة.: الخامات لا تكفي. والوقت سوف يطول. والمصنعية لا بد أن تزيد. هذا سوى ما يطلبه من طعام ومشاريب ودخان.
فإن كانت في البيت بنات فإن ويكة لا يتورع عن مغازلتهن. فإن لم يذعن الزبون لطلبات ويكة ترك له العمل في منتصفه وإلهي تخرب ما تعمر.
ونوادره مع زبائنه لا تنقضي. فقد حدث أنه عمل عند رجل عجوز طيب. وكان الرجل يمتلك بندقية رش. فطمع فيها ويكة. فتوسل إلى صاحبها أن يعيره إياها بحجة أن في بيته فأرا. وأنه عاجز عن اصتياده. وبعد إلحاحه المعهود أعاره الرجل إياها. فما كان من ويكة إلا أن ترك العمل وتفرغ لصيد العصافير بالبندقية. وبعد حين مل هذه اللعبة فقرر بيعها. وبالفعل باع البندقية التي تساوي أكثر من ألف جنيه بثلاثين جنيها. وقلق الرجل بعد أن طال عليه الأمد. فأخذ يتصل بكل من له علاقة بويكة. ليتوسط لديه في رد البندقية. ثم لم يجد الرجل بدا من الحضور بنفسه. وبعد أخذ ورد. وجزر ومد اضطر المسكين إلى دفع الثلاثين جنيها للمشتري كي يسترد بندقيته.
وهذا شاب مهذب عهد إلى ويكة بأن يدهن له دولابا. فبقي الدولاب في حوزة ويكة ستة أشهر وظن أن صاحبه قد نسيه أو استغنى عنه فقرر بيعه لولا أن صاحبه وصل في الوقت المناسب لينقذ دولابه من يد ويكة بعد أن كاد يبلغ الشرطة!!.
وأذكر أنه عمل عند رجل ذي رتبة كبيرة وكان الرجل كريما شهما فجعل ويكة يتلكأ كعادته ويستنزفه كعادته طالبا كبابا وكفتة ودخانا وحليبا كامل الدسم.
فما كان من الرجل الشهم الكريم أمام هذا السلوك الويكوي إلا أن أصابته الهستيريا فجعل يلطم خديه ويبصق في الهواء ويصيح بصوت مرتفع ويسب دين الشغل على دين الصنايعية وأخيرا طرد ويكة من العمل وهو في منتصفه.
وعمل ذات يوم عند ضابط شرطة فأخذ ويكة يسير معه سيرته المعهودة. حتى جن جنون الرجل فتوجه إلى مديرية الأمن واستخرج صحيفة سوابق ويكة وأخذ يوزعها في الشارع على من عرف ومن لم يعرف!!.
ولم تكن هذه هي حال ويكة مع الزبائن فقط بل مع أصحاب المقاهي والمطاعم والبقالين والصيادلة وكل من تربطهم به حاجات يومية أو أسبوعية.
فقد كان يدفع لهم حسابهم حين يكون الدفع هو الحل الأخير الذي ينجيه من علقة ساخنة أو خناقة لا يعلم إلا الله نهايتها.
وكان يحمل في رأسه جدولا للشوارع التي لا يجوز المشي فيها هربا من الديانة.
ففي هذا الشارع مطعم شكك منه ويكة ولم يدفع له. وفي الشارع الثاني مقهى. وفي الشارع الثالث موان. وفي الشارع الرابع زبون لم يتم ويكة عمله وهكذا.
وكان يوكة يمارس نوعا آخر من الابتزاز يحسب في الابتزاز الناعم. فقد كان صديقا لبعض الأسر العشوائية فكان يقعد عندهم ساعات طوالا آكلا. شاربا. نائما أحيانا. مراودا لنسائهم عن أنفسهن أحيانا أخرى
وأما علاقة ويكة بالبنات والنساء فلم تكن تقل حلزونية عن علاقته بزبائنه والدكاكين التي يتعامل معها. فإن تعرف بفتاة ليست من حينا ولا تعرف أصله وفصله أخبرها أنه مهندس ديكور وأن لديه مكتبا وموظفين. وكان من النساء من يصدقنه. لأنه كان سخيا جدا مع النساء بخيلا جدا مع أصدقائه.
ولن أنسى أبدا ما فعله بفتاة كانت تعمل في أحد مكاتب الآلة الكاتبة فقد قرر أن يلفت نظرها. فكتب بيده خطابا موجها إليه من معهد جوتة يشكرونه فيه على جهوده في الترجمة من الألمانية إلى العربية والعكس وطلب منها أن تنسخه لأنه مستعجل!!!.
وتقدم إلى فتاة ليخطبها فكتب لها خطابا غراميا ملتهبا بعد أن وعدته بالتفكير في الموضوع. ثم لم يلبث أن قدم لها ذلك الخطاب. فقبلت الخطاب ورفضت الخطوبة. فجاءني منزعجا وهو يقول” شفت بنت الوسخة؟ تصور رفضتني!” فقلت له يا ويكة امبارح كنت تقول لها أميرة أحلام ما أعرفش إيه. وقاعدة على سحاب ما أعرفش إيه والنهار دي بنت وسخة!!!
وتعرف إلى أخرى فأهدى إليها ساعة من نوع حقير. فلما رفضت الارتباط به قال لها ببرودة منقطعة النظير: عايز الساعة لو سمحت!!.
أما عن علاقته بي أنا شخصيا فقد كانت علاقة غريبة إذ كان يفتخر بي لكنه يغار مني ويكرهني لكنه لا يطيق البعد عني. وليس هذا التمسك لميزة يراها في شخصي بل لأن علاقته بي كانت تعد إحدى مفاخره إذ كان من بقي من أصحابه إما مهنيين أو لصوصا.
والآن أيها القارئ ألمح على طرف لسانك سؤالا ملحا. إن كان ويكة بهذه الأخلاق فلماذا صبرت أنا على صحبته عشرين عاما؟.
وجوابي أن لهذا الصبر أسبابا عديدة. فمنها أنني كنت أحتاج إليه بعض الاحتياج قبل وجود الكمبيوتر وقبل نشاط جمعيات المكفوفين التي تسجل الكتب لهم أي لنا. ومنها أنني كنت أستعمله في بعض الأغراض المشبوهة.
وقبل أن يلعب الشيطان برؤوسكم فتذهبوا إلى ما لم أقصد ولم أفعل دعوني أبين لكم بعض هذه الأغراض. فمنها أنني فكرت في أن أجرب نفسي في كتابة الأغنية الهابطة. وذلك أن المرحوم الشاعر عبد الوهاب يحيي كان قد برع في كتابتها فأحببت أن أختبر قدرتي على ذلك. ولم يكن ممكنا أن أنسبها إلى نفسي فكان لزاما أن تكتب هذه الأغاني باسم ويكة ومن هذه الأغاني أغنية أقول فيها {قلبي من حبك يا كوتش…
خر زي السندوتش…
قول ألوه فوق سطح بيتكم…
قلبي يتحول سوتش…
يالي حبك فيَّ خَيِّش…
والغرام في عنيك يعَيش…
بردو محسوبك مريش…
عنده تلفيحة استرتش}.
وكان الملحن الذي عثرنا عليه رجلا موهوبا في تلحين الأغاني الهابطة. لم يكن يكتب نوتة ولا يعزف على آلة موسيقية بل كان يكتفي بأن يقلب الصينية وينقر عليها بأصابعه ثم يرزع اللحن فينتشر.
وكان المفروض أن تكتب هذه الأغاني باسم ويكة على أن نقتسم ثمنها معا. وبالفعل وافق الملحن عليها ولحن بعضها إلا أنها لم تنتج لأسباب إنتاجية لا فنية.
ومنها أنني أردت اختبار الحياة الثقافية في مصر فجعلت ويكة يعمل صحفيا وكنت أعد له الأسئلة فإذا جاءني بالإجابات مسجلة قمت بإعادة صياغتها.
ومن عجب أن هذه الأحاديث الصحفية قد نشرت بالفعل وعليها اسمه!!!.
وكان كلما تعرف بفتاة أو تقدم لخطبة فتاة أطلعها على صوره مع الفنانين الذين أجرى معهم هذه الأحاديث الصحفية ليعظم شأنه عندها.
ومنها ما يخص ويكة نفسه فرغم أنه لم يحصل إلا على الابتدائية فإنه كان مغرما بالقراءة خصوصا كتب الأدب القديم وكان كلما أعجبه نص شعري أو نثري كتبه في كراس مستقل وحفظه عن ظهر قلب. حتى وهو في السجن أيام اللصوصية كان يقضي يومه في مكتبة السجن ليقرأ. بل إنه علم نفسه مبادئ الإنجليزية.
ومنها أن ويكة كان بالنسبة لي درسا في الفلكلور وعلم النفس
فقد استنتجت من علاقتي به أن الإنسان إن لم يجد مبررات نرجسيته في الواقع استطاع أن يستخرجها من داخله.
واستنتجت من عشقه للكتب أن الموهبة أمر إلهي لا تعلق له بالتعليم ولا بالأسرة وأن في كل واحد مهما يكن منتميا إلى قاع الحياة بصيصا بسيطا من موهبة يتعهدها بالرعاية فتنمو أو يتركها فتموت. وإذا كان الله أعدل من أن يعطي أحدا كل شيء فإنه أرحم من أن يحرم أحدا كل شيء. كما استنتجت من علاقته بالناس أن الناس سريعو النسيان فبالرغم من المقالب الكثيرة التي عملها فيهم ويكة ظلوا يستعينون به من حين إلى حين.
كما استنتجت من علاقته بالقيم أن بعض الناس تربطهم بالقيم علاقة مرنة. لا إلى الولاء التام. ولا إلى القطيعة التامة.
بل يقبلون عليها أو يعرضون عنها حسب المناخ النفسي الذي يعيشونه أو الضغوط التي يتعرضون لها في الحياة. فهم مستمسكون بالقيم ما لم يعرض لهم عارض من فاقة أو نزوة.
وبالجملة تستطيع أن تقول إن ويكة كان بالنسبة لي موضع مشاهدة فلم تكن قصصه مع الناس تخلو من تسلية باردة أو صاخبة كما كنت أنا بالنسبة له موضع استغلال ورغم عشرات الأسافين التي تلقيتها من ويكة فإنني لا أكن له كراهية واليوم بعد أن كبرت سنه نسبيا. وساءت صحته بعض الشيء لم أعد أنظر إليه بوصفه لصا محتالا. بل بوصفه مسكينا نصف مريض. ونصف عاطل. لهذا أسمح له أن يغشى بيتي من حين إلى حين دون أن أتخلى عن الحذر لا خوفا على ما معي من مال. بل حماية له من نفسه التي لا بد أن يزاولها الضعف القديم.

د.صلاح عبد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *