سافو… بين مؤيد ومعارض

( لن يشرق يوم أبدا دون أن يذكر فيه اسم سافو الشاعرة الغنائية )

انها سافو ربة الشعر والجمال

أول شاعرة في تاريخ الأنسانية … ورغم أن الحضارة عرفت بعدها شاعرات كثيرات الا انها ظلت ألمع اسم في تاريخ الأدب النسائي كله.

عاشت في الفترة بين 610 و 560 قبل الميلاد في جزيرة لسبوس اليونانية . اختلف المؤرخين علي اسم الأب فهو سكاما اندرونيموس … يورجيوس …سيمون …يونيمينوس وأخرين … ولكنهم اتفقوا علي اسم الأم ( كليس ) … زعموا بأن لها ثلاثة أخوة أحدهم تشاراكوس الذي كان سبب شقاء لها .

هي أشهر نساء عصرها وأبرز الرجال كانوا ينظرون لها نظرة اكبار وتقدير منهم (صولون) حاكم أثينا المعروف بحكمته وسلامة تفكيره كان يقول عنها

( أريد أن أحفظ أشعار سافو ثم أموت )

أما سقراط فكان يسميها ب ( الجميلة ) وأفلاطون قال عنها

( يقولون ان ربات الشعر تسع ألا ما أعظم غباءهم فليعلموا أن سافو ابنة مدينة لسبوس هي العاشرة ) واضعا اياها في مصاف الألهة .

وقال ديورانت

(أن الأقدمين اذا ذكروا لفظ الشاعر فانما يعنون هوميروس مؤلف الألياذة …كذلك اليونان اذا نطق فيها لفظ الشاعرة أصبح المقصود هي سافو )

نضجت سافو في سن مبكرة وعرفت بقدرتها الفنية العالية قبل بلوغها العشرين… ورغم ان أشعارها تدور حول الحب والجمال والطبيعة الا أنها كانت تعمل بالحياة العامة ولها نشاط سياسي أدي الي تعرضها للنفي من مدينتها لسبوس مرتين الأولي وهي في سن التاسعة عشر والثانية وهي في الحادية والعشرين وكان حكام مدينتها يخافون من تأثيرها علي الرأي العام والتفاف الناس حولها …وبعد خمس سنوات من نفيها عادت الي مدينتها بعد أن أصبح اسمها علي كل لسان فأصبحت من القوة بحيث لم يعد أحد قادرا علي أن يمسها بسوء أو ينفيها مرة أخري.

أصبحت زعيمة للفن والذوق والتأثير الوجداني علي الجميع وتزوجت من تاجر ثري يدعي أندروس وانجبت منه ابنتها الوحيدة كلايس التي كانت تلقبها بالزهرة الذهبية ثم توفي عنها زوجها وورثت عنه ثروة ضخمة أتاحت لها حياة الرخاء لبقية حياتها .

تميز شعرها بالبساطة والسيطرة الحذرة علي العروض واستعمال الصفات وكذلك الغنائية وابتكرت ما سمي لاحقا بالرباعيات اذ كانت أشعارها تتكون من ثلاثة أبيات طويلة ورابع قصير … اخترعت قيثارة بها واحد وعشرون وترا كانت تغني عليها قصائدها وأضافت وزنا جديدا الي الأوزان الشعرية أصبح معروفا باسمها ( الوزن السافوني) وأنشأت جمعية نسوية أطلقت عليها thioso .

قامت بفتح أول مدرسة في التاريخ لتعليم الفتيات الشعر والموسيقي والرقص والسلوك المهذب وكانت علاقتها بتلميذات مدرستها علاقة مليئة بالعاطفة القوية …مما أطلق الشائعات ضدها واتهامها بالشذوذ حتي أصبحت كلمة الشذوذ عند المرأة منسوبة الي مدينتها لسبوس ومنها جاءت كلمة ليسبيان…اعتمدت هذه الشائعات علي بعض ما بقي من شعر سافو

( ان الحب لهن يهز قلبي كما تهز الريح القوية أشجار البلوط )

كذلك قولها لاحدي تلميذاتها ( لقد أحببتك يا أفيس من زمن بعيد )

وعندما تزوجت تلك التلميذة أفيس كتبت سافو قصيدة تعبر عن ألمها لفراق تلميذتها قالت فيها …

( انه لسعيد ذلك الرجل الذي يجلس ويراك بعينيه أمامه انه يجلس بالقرب منك ويستمع اليك وهو معقود اللسان وأنت تتحدثين حديثك الفضي وتضحكين ضحك الحبيب في غير صوت عال ان هذا وحده يكفي لأن يثير قلبي المجروح في صدري ويملأ نفسي بالاضطراب لأني اذا رأيتك لحظة قصيرة خشع صوتي من فوري وانعقد لساني وسرت في ضلوعي نار يحس بها كل من حولي ولا تبصر عيناي منها شيئا وتطن في أذاني أمواج من الصوت عالية ويتصبب جسمي عرقا فيجري أنهارا وترتجف جميع أعضائي ويصبح لوني أكثر اصفرارا من لون العشب في الخريف …وتنتابني ألام الموت المترصد لي فاضطرب في سكرات الحب )

واضطرت الفتاة أفيس الي ترك المدرسة بعد زواجها فقالت لأستاذتها ..

( واحسرتاه ما أتعس حظنا أقسم لك يا سافو أن فراقي اياك كان علي الرغم مني )

فأخذت سافو في تهدئة تلميذتها قائلة …

( سيري في طريقك منشرحة الصدر ولكن اذكريني لأنك تعرفين هيامي بك ..ألا ما أعز وأجمل الأيام التي قضيناها معا )

وتنهي قصيدتها قائلة …

( لن أري أفيس بعد اليوم ولا فرق عندي بين هذا وبين الموت )

وبسبب هذه العاطفة الحارة في قصائد سافو أثيرت الشائعات عن شذوذها …لكن الباحثين المحايدين يرون شيئا أخر فقد كانت سافو محبة لتلميذاتها وفية لهن صادقة في التعبير عن العاطفة الطبيعية التي تنشأ عن عمق الألفة والتفاهم وقد تبدو هذه النظرية أقرب الي الصواب من نظرية الشذوذ لأن سافو كانت شخصية بارزة معروفة ومن الصعب أن تلقي بنفسها في مواطن الشبهات ثم أن المجتمع من ناحية أخري لم يعترض علي ذهاب الفتيات الي مدرسةسافو ولو كانت المدرسة مشبوهة لما سمحت العائلات لبناتها بالتعلم فيها ولكان الرجال قد أضربوا عن الزواج من هؤلاء الفتيات ولكن كانت جميع التلميذات يخرجن من المدرسة الي بيت الزوجية .

وكانت المدرسة علنية تعمل في النور أمام الجميع …ولقد كانت سافو ذات مشاعر حارة متدفقة ومشاعرها تجاه تلميذاتها جزء من عواطفها نحو الجمال والطبيعة ورغم أن الكثيرمن شعرها قد ضاع فلم يتبق منه الا ما لا يزيد علي ستمائة بيت … وحتي هذا تعرض لحروب متصلة ودائمة فقد بلغ من قوة أعدائها أن الكنيسة أمرت عام 1073م باحراق جميع أشعارها لكن احتفظ الناس في وجدانهم بما بقي وحرصوا عليه أشد الحرص .

ولمصر فضل كبير علي أشعار سافو ففي عام 1897 اكتشفت بعض التوابيت في الفيوم احتوت أوراقها علي عدد من قصائد سافو المعروفة الأن .

قيل ان سافو ماتت منتحرة بسبب أزمة عاطفية ولكنها قصة غير ثابتة رغم اقرارها من كثير من المؤرخين … لكن ما كانت تتصف به سافو من واقعية ونضج لا يتوافق مع الفكر الانتحاري فقد رفضت الزواج من رجل أحبها قائلة

( وقد خط الزمن علي جسدي خطوطا كثيرة ولم يعد الحب يسرع الي بما يحمله من هدايا )

وطلبت منه أن يختار زوجة أكثر شبابا وأصغرسنا .

كتبت سافو في تقديم قصائدها …

( لن يشرق يوم أبدا دون أن يذكر فيه اسم سافو الشاعرة الغنائية )

ولقد قدم الدكتور عبد الغفار مكادي في كتابه ( سافو شاعرة الحب والجمال عند اليونان ) بترجمة أعمالها الي العربية

قالت عن الحبيب بعيد المنال …

( انه مثل التفاحة الحلوة علي الطرف الأعلي للغصن والتي تركها من التفاح ..لم ينسها ولكنه لم يستطع لعلوها أن يصل اليها )

_ كما يطير الطفل الي أمه كذلك طرت .

_ في فجرالربيع يبزغ القمر مكتملا … وتأخذ الفتيات أماكنهن كما لو كن يتحلقن حول المصلي… وأقدامهن تتحرك وفق ايقاع … بينما الأقدام الرقيقة لفتيات كريتان تتراقص حول مزيج العشب الزهري الأملس الناعم …كن ملتاعات من بهاء النجوم القريبة للقمر الحبيب … الذي يغطي وجوهن المشرقة حينما يكون في أكمل استدارة له ناشرا ضوءه الفضي علي الأرض .

_ الأن قد غاب القمر وكذلك الكواكب السبعة … انتصف الليل وزمن الأنتظار فات وأنا أنام وحدي.

المراجع …

Sappho..A translation by Mary.Barnard

سافو … من كتاب عباقرة ومجانيين لرجاء النقاش

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *