محمد حسين بهنس

تزين جدران الإليزيه لوحاته وتبهر الناظرين إبداعاته وتداعب خيال القارئين كلماته ، أما عزفه وألحانه فهي ونس لأصدقاء الشجن مصاحبي الوحدة … في حين يتجمد جسده النحيل وتنهار معدته الخاوية ولا يضم عظامه الضعيفة سوي رصيف بائس في شارع أكثر بؤساً لبلد يتباهي أهلها بعنجهية مجهولة المصدر بأن لا أحد لديهم يموت من الجوع .

أحد الأعمال الفنية لبهنس

هل حقاً كان تشرده في سنواته الأخيرة إرادياً …فلسفياً بمنطق التصوف والزهد خاصة وهو صاحب مجموعة شعرية متميزة في التصوف ؟! … هل أدرك بأن نبوغه في الفن والأدب لا يعني شيئاً طالما لم يستطع تغيير المجتمع أو التأثير في الأوضاع ؟! خاصةً بعد فشله المؤلم الذي تلي إطلاقه للكثير من الفعاليات لمناهضة إنفصال جنوب السودان عبر منظومة (سودان يونيت )التي قام بتأسيسها وقامت بدورها بتنظيم عدداً من المعارض والرسم علي الشوارع إعتراضاً علي الإنفصال ودعماً للوحدة؟!… هل رغب فعلياً أن يعيش مثل الناس طالما لم يستطع أن يغير معيشتهم ؟!

أم هو قدر النبوغ ونصيب الوعي والمعرفة وعبث الحياة التي ترفع الشعبوية الي مصاف التقديس وتنهار بالقيمة الي أرصفة الشوارع …. فكم رأينا منعدمي الموهبة مدعيين متحذلقين فارغين وسفهاء ينعمون بالتقدير والحفاوة والرعاية بمباهج الحياة ورفاهيتها بينما أصحاب القيمة والثقافة والأبداع يعانون مرارة العيش والتهميش

وكان بهنس … الشاعر والروائي والفنان التشكيلي المثقف الواعي ابن النيل الأسمر ربيب السودان الطيبة واحد من هؤلاء …أصحاب القيمة والأبداع الذين سحقتهم عبثية الحياة .

بهنس بصحبة احدي أعماله الفنية المضيئة

محمد حسين بهنس (1972-2013 ) الذي ولد ب أم درمان بالسودان وتشبع بالثقافة والتراث الأفريقي ودرس بالجامعة الأهلية لمدة عام واحد ثم تركها لسبب غير معلوم وتعرف بزوجته الفرنسية في السودان ثم سافر معها الي فرنسا وهناك روايتان إحداهما تقول أن زوجته وابنه الوحيد منها تعرضا لحادث توفيا علي أثره وهذا ما جعله يترك فرنسا ليعود للسودان مكتئبا حزيناً ورواية أخري وهي الأكثر تداولاً أنه تم تطليقه عنوة من زوجته وترحيله قسراً من فرنسا بعدما أبدع فيها الكثير من الأعمال الفنية التي مازالت موجودة بها حتي الأن وقد أكد حمور زيادة أحد أصدقائه المقربين بأن والد الزوجة الفرنسية وهو عمدة لإحدي المقاطعات الفرنسية إستطاع ترحيل بهنس قسراً وسط صمت الخارجية السودانية

بهنس في احد المعارض الفنية

فحمل بهنس أحزانه وعاد بخفي حنين الي وطنه يملأه الحنين فتلحقه الأيام بالصفعة الثانية دون أن تمنحه وقتاً ليتنفس الصعداء فيصدم بخبر وفاة أخيه ببريطانيا ووفاة أمه الحبيبة دون علمه … ومن عاشر السودانيين يعلم حجم هذا المصاب بالنسبة لهم …فيجر ألمه ويعود به الي منزل الصبا باحثاً بين جدرانه عن ذكريات دفئه في حضن أمه المفقودة وونسه مع أخيه قتيل الغربة و نجاحاته في المعارض الفنية الكثيرة التي بدأت من نفس هذا المكان .

فأولها كان معرض التلوين بالخرطوم عام 1999 ثم توالت الأعمال والمشاركات فتلك ندوة لغة الألوان ب المانيا 2000 وهذا معرض بفرنسا و ذلك بأثيوبيا ومصر و غيرها … متذكراً لوحاته المضيئة وأغانيه الرقيقة وكلماته العذبة وألحانه الشجية وعزفه الراقي ورواياته الوحيدة التي خرجت للنور ( راحيل ) والتي أشاد بها النقاد وتنبأوا بأنها ستكون ولادة جديدة لطيب صالح جديد

( الطيب صالح … هو أديب وروائي سوداني شهير له الكثير من الأعمال الرائعة أشهرها رواية موسم الهجرة الي الشمال )

وتوحد بهنس مع جدران حجرته الصغيرة بمنزله القديم حتي أسماه الوطن ومن إحدي رسائله لأحد أصدقائه قال في هذه الحجرة …

( أنا داير أوضة وطن، باب سنطها من شدة الحنية يتكي في كتف أول الداخلين. الأوضه على حيطتها حمامه مبيضه، وعليها أيضاً لوحة الطفل الباكي ــــ انتو بس ضحكو والباكي خلو علي أنا ــــ الأرض الرمله الهمله المرشوشه (ما في الشتا دا على أي حال).

وفوق ورقه مكتوب عليها بخط طفولي (العلمو نورون والحياتو كفاحو). بعد داك اتشاكلو أكان تبيعوها بسعر التراب ولا أرخص. أنا داير طعم وطن في شاي كشري على صينية ألمونيوم. الأوضة التي هي أرشيف الروح السوداني هي متعة الوطن، هي أوضة جالوص لا شرقية ولا غربية”. )

أحد اعمال بهنس المضيئة

ثم في محاولة أخيرة للصعود من الهاوية قرر التوجه الي القاهرة …باريس الشرق … المدينة التي لا تنام …فأقام معرضه وأشترك مع النشطاء بميدان التحرير وقام برسم الجرافيتي علي مرأب محمود بسيوني … لكنه في النهاية لم يستطع الصمود كثيراً فمع تردي أحواله المادية وإحباطه وإكتئابه الذي أنهزم أمامهم تحول لمجرد شريد بائس ينام علي أرضية مطعم الخرطوم قرب ميدان إبراهيم باشا بالعتبة بقلب العاصمة المصرية القاهرة .

أفترش الشارع ينظره المار فيظن به التشرد لكن من يتحدث معه يكتشف نبوغه … نفسه الأبية رفضت التسول …ونفوس الناس القاسية رفضت أن تراه وهو ملقي علي رصيف الشارع علي بعد خطوات من السفارة السودانية وكأنه حتي وهو ينهشه الإحباط ويأكله الإكتئاب وتسحقه الحاجة فإنه يحن بكل جوارحه الي وطنه ويأبي إلا أن يتكوم بوضع الكتاتونيا متربعاً كجنين يحتمي برحم أمه طالباً الدفء من أقسي موجة برد تشهدها القاهرة في ديسمبر 2013 ومحاولا لضغط أمعائه حتي لا يشعر بخوائها الذي كان ملازمه لأيام ليستسلم أخيراً ويضع نهاية ميلودرامية مناسبة لنبوغه و ليرد لنا الصفعة في محاولة أخيرة بائسة ليوقظنا من هذا العبث .

لم يكذب حين قال …


“بهديك الفوضى … شجار طفلين في ساحة روضة … بهديك الغربة … هتاف الموتى … وصمت التربة … بهديك حزنك

… وستات الفول أثناء الخمشة … بعد إذنك … بهديك إحباطي … حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي … بهديك الليل البين جبلين … فقدك لقى دين”… ﺑﻬﺪﻳﻚ ﻃﻠﺔ ﻟﺒﻴﻮﺕ ﺍﻟﺨﻴﺶ … ﻭﺧﻴﻢ ﺗﻔﺘﻴﺶ … ﻭأﺳﻮﺍﻕ أﺭﺧﺺ ﻣﺎﻓﻴﻬﺎ ﺣﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﻠﻪ … ﺑﻬﺪﻳﻚ ﻣﺘﻤﺮﺩ … ﻭﺍﻟﻨﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﻛﺎﻧﺎﺕ ﺑﺎﻋﻮﻫﻮ ﺑﺮﺩ … ﺑﻬﺪﻳﻚ ﻭﻻ ﺷﻲ … ﻭﺍﻗﻄﻊ ﻭﺩﻳﺎﻥ ﺍﻟﺴﻬﻮ ﻣﺸﻲ”.

من أعمال بهنس

ولم يبالغ حين قال في نهاية روايته (راحيل ) وكأنه يتركها مرثية لذاته يستغيث بها من نهاية درامية كان يتوقعها …

( لماذا أنا حزين إلى الأبد.. أنا حزين لأن الناس يرجمونك بالحجارة وأنت واقف، فإذا صمدت ولم يرف لك جفن، فإنهم لن يلبثوا يهرعون إليك ويقبلون الأرض أمام قدميك، متبتلين كأنك إله أو نبي، أن يا سيدنا علمنا الصمود أمام الحجارة. أما أنا فلست متماسك؛ أنا منهار نعم، أشعر بدماغي حبة قمح سحقتها القوة الماكرة. كنت أبكي كإشاعة تقول بأنني كنت أضحك، ورقة أبدية تحترق، وآه يا نفسي يا له من ختام رائع، وآه يا حنظل الصبر”. )

في حين لم يخجل الملحق الإعلامي السوداني بالقاهرة وهو يقول بعد وفاة بهنس…( لو مات بهنس من البرد يبقي حرام عليه ينقطع عن الناس ويحرمهم من أدبه … الناس كانت بحاجة الي فنه )

من
اعمال بهنس

وإذا كان متوقعاً من الدولة أن يكون هذا فعلها قبل وفاته وهذا رد فعلها بعد وفاته … فالغير متوقع والصادم هو أن يكون هذا هو نفس الفعل من الأصدقاء والأقرباء والأهل … فأين كان كل هؤلاء عندما سقط بهنس وحيداً شريداً حزيناً بائساً جائعاً تطعنه برودة وحدته قبل أن تقتله برودة الطقس.

أما نحن قليلي الحيلة … مكتوفي الأيدي … معصوبي العينين … الجهلاء فليس بأيدينا غير أن نقر … بأن الشتاء في بلادنا بارد والجوع في بلادنا كافر والجهل في بلادنا سائد ولهذا كان لابد وأن يموت بهنس.

أمل جمال

منحوتة التلاشي في الغربة علي شاطيء مرسيليا بفرنسا

محمد حسين بهنس

التعليقات

  1. Visitor

    المعرفة جمرة متقدة تشعل نار الحزن و الكآبة و البؤس و ليس الكل يتحملها … مقال رد جزءًا من الفضل لأصحابه الذين عاشوا و ماتوا في الظلام محاولين إنارة الطريق … شكرا مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *