من يوميات أب تحت التمرين

من يوميات أب تحت التمرين: المصاريف

كان ممتعاً ومثيراً للشجن، ذلك النقاش الممتزج بالحكي الذي خضته مع بعض أصدقائي، عن الفرق بيننا كآباء وبين آبائنا، خصوصاُ فيما يتعلق بالتعاملات المادية، لكن تأثيره لم يكن لطيفاً على أطفالنا بعدها، لأنهم سمعوا كثيراً وعلى مدى عدة ليالي، كلاماً كثيراً عن النعمة التي لا يقدّرونها حق قدرها لكي لا تزول من أيديهم، وعن الحظ السعيد الذي نحسدهم عليه، ومع ذلك لا يلقون له اعتباراً، بل على العكس نجدهم يستلذّون الشعور بالظلم، لو تجرأنا ورفضنا طلباً من طلباتهم التي لا تنتهي، بينما كنا في سنهم ننظر إلى كل ما نحصل عليه من أهالينا، سواءً كان زيادة في المصروف أو عيدية أو مكافأة نجاح، بوصفه حدثاً مهماً وثروة ينبغي الاستمتاع بكل لحظة من لحظات إنفاقها، لأن التجارب علمتنا أنها ربما لن تتكرر.

حين فارقنا الطفولة، وعرفنا تفاصيل الحياة أكثر، عرفنا أن أهالينا لم يكونوا فقراء مدقعين، كما كنا نظن، لأنهم كانوا يحاسبوننا على المليم والسحتوت، ويعتبرون أكلنا خارج البيت خطيئة أو طفاسة في أهون تقدير، ويرون إنفاقنا لأي مبلغ بدون حساب أو تفكير سفهاً لا يجب التسامح معه، وأدركنا مع تعدد التجارب أن ما كانوا يقولونه لنا عن كوننا أحسن من غيرنا، لم يكن كلاماً للضحك على ذقوننا، وأصبحنا نعرف أن الفقراء والمحتاجين لا يوجدون فقط في مخيمات اللاجئين التي توجد في هذا البلد الآسيوي أو ذاك الأفريقي، تلك المخيمات التي نرى صورها الحزينة في بعض الأعياد والمواسم، التي يُدعى أهالينا لأن يتبرعوا فيها بالذي فيه النصيب، ففي المدن التي نسكنها أطفال فقراء، ينظرون إلينا بوصفنا من علية القوم، ويروننا محظوظين بكل تفاصيل حياتنا التي يستحيل أن يحظوا بها، وهو أمر لو كنا عرفناه في طفولتنا لما عنى لنا الكثير، كما أصبح يعني لنا حين كبرنا، وبات لدينا اهتمام ما بمن هم أفقر منا، وبات لدينا أيضاً إدراك فعلي بموقعنا في سُلّم الغنى والفقر، الذي كنا نسمع عنه أحياناً، لكننا لم نكن نرى درجاته تحت أقدامنا.

قبل أيام شعرت كمن ضربته صاعقة، حين سمعت ابنتي بالصدفة ـ طبعاً لن أعترف أنني كنت أتلكأ في سيري لأسمع أكبر قدر من محادثتها ـ وهي تقول لصديقتها بعد تنهيدة عميقة: “كنت أتمنى لو كنا أغنياء لا نحسب حساباً للفلوس لأشتري كل ما أتمناه دون تفكير”، لم يكن من المناسب بالطبع أن تراني صديقتها وأنا أقتحم الغرفة صارخاً: “نعم يا اختي، كل المصاريف اللي باكعّها دي مش مالية عينِك”، لذلك اكتفيت بالتجمد في مكاني، وأنا أرى بعين خيالي الأرقام التي أنفقتها عليها وعلى أختها فقط منذ بداية العام وحتى الآن، لأدرك “بالويَم” أنها توازي قيمة ما أنفقه عليّ أهلي منذ ولدت وحتى أبعث حياً، مع مراعاة فروق التضخم وأسعار العملة وسائر الحبشتكانات الاقتصادية التي تفرّق زمان طفولتي عن زمان طفولتيهما.

سحبت قدميّ إلى البلكونة لأقف وقفة مع النفس، محاولاً فهم ما يجعل ابنتي تشعر بهذا الشعور الذي لا يمكن أن يتجاهله أب، مهما كانت درجة تناحته النفسية، خصوصاً إذا كان يعتقد أنه يفعل الذي عليه وزيادة من أجل إسعاد أبنائه، لأكتشف أن سر شعور ابنتي بالحرمان، هو أنني لم أطاوعها في رغبتها تغيير موبايلها إلى أحدث موديل اقتنته صديقتها “الأنتيم”، ليتضح فيما بعد أن شكواها من “الفقر وغدر الزمان” كان مع صديقة ثالثة لم يطاوعها أبوها في نفس الطلب، وتذكرت أن أختها الكبرى خاضت معي جدالاً حاداً قبل عام، حين أصدرت فرماناً قاطعاً بأنني لن أقوم بشراء أي موبايل جديد حتى تزهق روح القديم إلى بارئها، ويستنفد كل محاولات الإصلاح والترقيع، وأن ذلك الفرمان لا يسري على حوادث الكسر والغرق والحرق التي سيتم التعامل معها بوصفها إهمالاً جسيماً يستحق المتسبب فيه أن يُحرم من ميزة اقتناء محمول أياً كان نوعه، حتى يثبت قدرته على تحمل مسئولية حمل موبايل بالشيء الفلاني.

كنت قد جربت في بدايات مناوشاتي مع بناتي حول الموبايلات وموديلاتها و”أوبشناتها”، أن ألجأ إلى ما وجدنا عليه آباءنا، وهو منهج: “انتو مش حاسين باللي انتو فيه، تعالوا شوفوا الناس عايشة إزاي”، لأتلقى ردوداً ماكرة يمكن تلخيصها في الفقرة التالية: “لا والله احنا حاسين وعارفين، ولو كنت حضرتك فقير ما كناش طلبنا حاجة زي كده أبداً، لكن الحمد لله ربنا يخليك لينا إنت معيشنا في مستوى كويس، وعشان كده من واجبك إننا نكون في نفس المستوى اللي فيه زمايلنا إلا إذا كنت حضرتك ترضى إن مستوانا يبقى أقل والناس يقولوا عليك بخيل”. بالطبع كان يمكن لعبارات شيطانية كهذه أن تفعل مفعول السحر في أب غير مدرب على المفاجآت، لكنها لم تُجدِ معي نفعاً، لأنني ألزمت نفسي منذ البداية بالمعايير التي وضعتها لهما، فموبايلي لم يتغير منذ خمس سنوات، ليس فقط لأنه يعمل بكفاءة تجعله يستحق ثمنه، بل لأنني توقفت منذ أعوام عن استخدام الموبايل إلا في الشديد القوي والحمد لله، ولذلك كان من السهل عليّ أن ارد على منطقهما الماكر، بالتلويح بموبايلي الصامد في وجهيهما، طالباً منهما ألا يلقيا بالاً لآراء الناس، كما لا ألقي أنا لها بالاً، لأن ما يهمني هو أن يؤدي الموبايل غرضه، وحين يصبح غير فعال في أداء ذلك الغرض، يكون علي وقتها فقط أن افكر في استبداله، وهو منطق تستطيع أن تعرف من تعبيرات وجهيهما خلال الاستماع له، أنه لا يلقى أي إقبال لديهما، وأن محبتهما لي وحسن تربيتهما هي التي تمنعهما من التصريح برأيهما الحقيقي فيه.

ولأنني في الوقت نفسه لا يمكن أن أترك مشاعر الإحباط وخيبة الأمل تلك، لتعبر بسهولة لتترسخ في النفس والوجدان، فينتج عنها ما لا يحمد عقباه، بدأت على الفور في تعداد كل ما منحته لهما من مكافآت ومعونات ومنح لا ترد وهدايا وهِبات وبدلات ولاء وعلاوات غير مبررة، وهي أرقام كان يفترض أن يحدث ذكرها وتعدادها حزناً بالغاً في نفسي، باعتباري قادماً من ثقافة “هتعمل إيه بالربع جنيه، كفاية عليك عشرة ساغ”، لولا أنني في الحقيقة أجد لذلك التذكير بالمصاريف حلاوة، ولذلك التعداد للهدايا والهِبات طلاوة، خصوصاً حين تظهر على تلك الوجوه الجميلة أمارات الخجل من عدم تقدير تضحياتي المالية.

وهنا تحين اللحظة المناسبة إما لحكاية جديدة عن حرماني الكبير أيام الطفولة، مع إضفاء مبالغات درامية محسوبة، نظراً لسهولة قدرتهما على التحقق من التفاصيل في عصر مكالمات الإنترنت المجانية، سيكون من الأنسب غالباً إعادة حكاية قديمة في الموضوع نفسه سبق توثيقها وثبت تأثيرها، ثم الانتقال بخفة إلى التذكير بأحوال الغلابة والفقراء، لكي يكون لذلك الحرص على المصاريف بعد اجتماعي عميق، حتى لو لم يقتنعا به بسهولة، لكن وجوده سيظل مهماً للتفريق بينك وبين غيرك من الآباء، مع مراعاة أن تقوم بالتأكيد على أن أي رفض لمصاريف لا لزوم لها، لا يعني أنك لن تفعل كل ما بوسعك من أجل أن يتعلما أفضل تعليم يؤهلهما للمستقبل.

ولأن النفس الإنسانية تحب من يَعِدُها ويُمنيها، حتى لو كانت لا تزال في “أرزل” العمر، أعني سن الطفولة بالطبع، فلأسف لن ينجح كل ما سبق ذكره في إحداث أي أثر ناجع سريع، لو لم تختمه بطلب زيادة الاهتمام بالمذاكرة والتحصيل، وربط ذلك بوعد معسول بمكافأة أو هدية أو خروجة أو سفرية، أو أي هباب أزرق سيكبدك خسائر فادحة، لكنها خسائر تهون إلى جوار ما يخسره الآباء اللاهون المبذرون الذين لا يجيدون إدارة هذا الملف الشائك، والذين سيكتشفون حتماً أن إغداقهم للمصاريف دون حساب على أبنائهم، سيصل يوماً ما إلى خط أحمر، يضطرهم إلى التصادم مع رغبات أبنائهم، وعندها سيسمعون يوماً بالصدفة عبارة “ياريتنا كنا أغنياء”، وهي تنبعث من أفواه أبنائهم بشكل أو بآخر، وأنهم شاؤوا أم أبوا سيجربون يوماً ما اللذة التي كان يشعر بها حسني مبارك، حين كان يشخط في الشعب قائلاً: “أجيب لكم منين”، وربما كان الفارق بيننا وبينه أن مبارك كان وهو يقولها قد قام بتأمين مستقبل أحفاد أحفاده، بينما لا زلنا نعاني من كوابيس العجز عن تأمين مستقبل أبنائنا. كفانا الله وإياكم غلبة الدَّين وقهر الرجال ورزالة العيال.

بلال فضل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *