شُركاء الجريمة

عندما كنت في بداية سنوات المراهقة كنت أصفُ أبي بالديكتاتور المستبد وكنت أراهُ رجلاً صعباً يضيق علينا الخناق كثيراً.

فعندما تأتيني مكالمة تليفونية من إحدي الصديقات علي تليفون المنزل (( لم يكن هناك هواتف خلوية في تلك الأيام )) كان شديد الحرص أن يجيب هو أولاً ويسأل الصديقة عن اسمها واسم والدها ويدخل معاها في حوار لطيف مهذب وخبيث في الوقت ذاته …فهو يشعرها بالمحبة والترحيب ولكنه في الواقع يسلب منها المعلومات دون أن تدري… كأعتي رجال المخابرات ، ثم لا ينسي أن يدس لها السم في العسل بإخبارها بعفوية يجيد صنعها عن معرفته السابقة بكل شيء يخصها حيث إنني لا أخفي عنه شيئاً ، وبعد محادثة طويلة تجعلني أظن إنها صديقته هو لا أنا ، يدعوني أخيرا لأتحدث مع الصديقة ويظل طوال المكالمة يتحرك بجانبي حتي يتسني له سماع الحديث الدائر …وكنت أصاب وقتها بالغضب الشديد من هذا التصرف المزعج .

وعندما كنت في الثانوية العامة وكعادة المصريين العظماء كان ولابد من الدروس الخصوصية ، كان أبي يستعلم عن اسم ومحل إقامة التلميذة التي وقع عليها الأختيار لأخذ الدرس بمنزلها ، فيقوم بعمل جولة إستكشافية عن أسرتها وكأنه يجمع معلومات عن شاب تقدم للزواج من إحدي بناته…ثم يذهب معي في ميعاد الدرس ويصعد معي إلي الشقة ويتقدم خطواتي للداخل ليتفحص هذا المقر السري ويتأكد من وجود باقي الطلبة والمدرس ثم ينظر بعين الخبير لربة المنزل حتي يقِّيمها ثم يتراجع خطوة للخلف ويدفعني في حنان …إدخلي يا أمل ربنا معاكي.

كم أصابني الحرج وقتها مما كان يفعله…خاصة عندما كنت أجده واقفاً أمام باب المنزل كظباط التشريفة ينتظرني فور إنتهاء الدرس الذي إذا تأخر عن وقته لخمس دقائق عن الميعاد المعتاد فكان أبي لا يتواري عن دق الجرس والدخول بدون إستئذان للسؤال عن سبب التأخير ..وعندما يراني أنا وباقي الطلبة يشعر بالراحة فيستأذن ليعود للوقوف أمام باب المنزل حتي إنتهاء الدرس.

ولا أستطيع ان أنسي أبداً عندما فزت في مسابقة للشعر علي مستوي جامعة الأسكندرية وتم ترشيحي لمسابقة الجمهورية وكان عليّ السفر للقاهرة ، فإتصلت موظفة الشؤون لتخبر أبي فسألها إن كانت ستسافر معنا فأخبرته إنها ستفعل هي وإحدي زميلاتها فطلب منها صورة لبطاقتها الشخصية هي والزميلة المرافقة ليقوم بالكشف عنهما والإحتفاظ بالبيانات حتي أعود سالمة …وبالطبع ثارت ثائرة الموظفة وأصبحت أنا ووالدي حديث الجامعة كلها ولم أذهب للمسابقة بل ولم يسمح لي بالمشاركة في أي مسابقة أخري باقي سنوات دراستي بالكلية بناء علي المقولة التي أشيعت عني وقتها بأن أبي… (( راجل مش طبيعي )) .

بكيت كثيرا وقتها وعاتبته أكثر بسبب فعلته… فقال لي…

يا بنتي هي رفضت تديني صورة بطاقتها …أديها أنا بنتي إزاي ؟!

ولا زلت أتذكر تلك الأيام التي كنت أعود فيها للمنزل حزينة أو قلقة أو فقط وجهي مرهق أو ممتعض

كنت أسمعه ينادي أمي حتي وإن كان علي خلاف معها في هذا الوقت قائلاً لها …أمل جاية مش مبسوطة ..أدخلي شوفي مالها

وتدخل أمي ورائي وكانت تعرف جيداً إنني لا أستطيع الحديث في أول نوبات الغضب والقلق والحزن فكانت تبدأ حديثها عن أي شيء أخر ثم تستدرجني بنفس الأسلوب المخابراتي الخبيث الذي تعلمته جيداً من أبي حتي أخبرها بما حدث

ويظل أبوايا يتحدثان طوال الليل في هذا الأمر الذي عكر مزاج إبنتهما لليوم والذي يكون في الغالب أمراً تافهاً كشجار مع صديقة أو إجابة خاطئة بإختبار أو عربة ترام مزدحمة …ثم يظلان بعدها فترة طويلة يتابعان الأمر وهل إنتهي ، وكيف إنتهي ، وهل أنا راضية عن الصورة التي إنتهي بها ؟

أما بخصوص الخلاف الذي حدث بيني وبين زوجي قبل حفل زفافنا بأربعة أيام وكنا قد أنهينا كل الإجراءات ودعونا الناس ولم يتبق سوي الحفل،

عدت يومها إلي المنزل حزينة جداً إنهرت بالبكاء وأخبرت والدي بالخلاف بيني وبين خطيبي وبإن عليِّ الرضوخ فأنا لا أستطيع إلغاء الزفاف في هذا الوقت الحساس وإلا ستصير فضيحة ….ثار أبي وصمم ان أنزع خاتم الخطبة وأن أغلق هاتفي قائلاً لي…

أوعي أبداً تسمحي لنفسك إنها تقبل أي شيء هي مش عايزاه عشان خايفة …الخوف ذل وانا بنتي متتذلش أبداً مش عايزة تكملي متكمليش ولو قبل الفرح بساعة ولو بعد الفرح بساعة..ملعون أبو الناس …لازم تعرفي إننا معاكي وفي ضهرك مهما كان قرارك ، وكل اللي يهمنا إنتي ، الناس دول بره حسابتنا نهائى… طب يجرب حد فيهم بس يمسك وشوفي أنا حعمل فيه إيه…

ثم طلب مني أن أخذ حماماً دافئاً وأنام ..وفي الصباح وجدته وقد أعد لي الفطور وأحضره إلي السرير ثم تحدث معي عن أن التوتر والقلق الشديد قبل العرس شيء طبيعي ومتعارف عليه ويجعل العريسان يتصرفان بغرابة وإن خطيبي شخص فاضل ومحترم لكن هو فقط قلق ومتوتر وإنه جالس بالخارج يرغب في رؤيتي والتحدث معي ومن الحكمة أن أتحدث معه ونقوم بحل خلافنا لأنه يستحق المحاولة ولكن إن كنت لا أرغب فهو سيدعمني في أي شيء أنا أريده.

وتم حل الأمر بهدوء وتم العرس في ميعاده …وحالياً أنا نسيت سبب هذا الخلاف وتفاصيله ولكنني لم أنس أبداً بأن لي أباً لا أخشي ردة فعله بل أعتمد علي وجوده وأثق في دعمه الدائم لي مهما حدث.

الأن أدركت ان ديكتاتورية أبي كانت حماية ، وتضييق الخناق كان خوفاً ، وإن بكائى من تصرفاته التي كنت أراها مزعجة في الماضي كان رحمة لي من أنهار من الدموع كان من الممكن أن أذرفها لاحقاً لو إنه لم يكن قد فعل هذا.

ولهذا فأنا لا أستطيع التخيل أن هناك أطفالاً بعمر الثالثة عشر والرابعة عشر يتركون منازلهم وحدهم ويذهبون لأحياء أخري بعيدة جداً عن مقر إقامتهم ويدخلون منازل غرباء ويتعرضون للتحرش والإغتصاب وربما للقتل ويعودون لمنازلهم دون معرفة الأهل…ثم يقضون ليالٍ طويلة يتعرضون فيها للإبتزاز ..فيموتون كل لحظة رعباً وخوفاً دون ان يلحظ ذلك أحداً من أسرهم.

ما تصنيف ونوع تلك الأهالي الذين يخرج أبنائهم وحدهم وهم في هذه السن …ولا يعرفون أين هم ولا مع من ولا ماذا يفعلون ؟…ومع كل وسائل الإتصال السهلة الأن فهم لا يكلفون أنفسهم عناء إجراء مكالمة للإطمئنان علي أطفالهم .

كيف يعود طفلك من الخارج بوجه عابس ومتجهم وملابس غير مرتبة وربما ممزقة فلا تلحظ هذا ولا تسأله عن السبب ؟

كيف يقضي أياماً بغرفته يعاني الخوف والرعب والرهبة يبكي ويتألم ولا تعرف أنت شيئاً عن كل هذه المعاناة بداخله ؟

كيف تسمح لأبنائك دون سن الرشد بأن يناموا وفي أحضانهم هواتفهم الغبية لاتدري ماذا يشاهدون ومع من يتواصلون ؟

ملعونة تلك التربية الحديثة التي تجعلك تظن أن من الصواب منحهم خصوصية دون رقابة وحرية دون حماية .

ملعونة تلك التكنولوجيا لو كان ثمن مواكبتها هو خسارة ابنائنا

التربية الصحيحة هي أن يقوموا باستخدام التكنولوجيا المزعومة ولكن في مكان مفتوح أمام الجميع وليس بغرفهم الخاصة وأن تشاركهم بهذه اللحظات بل وتقترح عليهم المواقع المفيدة

من حقك أن تربط حسابتهم بحسابك وتراقب ماذا يفعلون ومع من يتواصلون .

من حقك أن تذهب معهم لمقابلة أصدقائهم في أماكن عامة مفتوحة ، تري هؤلاء الأصدقاء وتتعرف عليهم وتوصل لهم رسالة بإنك دوما موجود لحماية طفلك..وإذا كنت قد منحت له حق المتعة بصحبتهم ، فأنت توفر له قبلها حق الحماية منهم .

هناك أمور أهم من تلك اللعنة المسماة بالتكنولوجيا …هناك رياضة ..قراءة…حديث عائلي …نشاط مجتمعي…أشغل فراغ أطفالك حتي لا يكون لديهم وقت للعبث.

أدعم أطفالك وذكرهم دائماً إنك موجود لحمايتهم وليس لعقابهم …فيعودون إليك عند إرتكابهم الأخطاء فتستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتحميهم من سيكوباتي مريض يهددهم بأسوء مقولة في التاريخ… (( هقول لأهلك ))

هذه الجملة من المفترض أن تنشر الطمأنينة وليس الرعب في قلوب أبنائناً

إذا كانت هذه الجملة تثير الرعب في قلب طفلك … فأنت شريك في الجريمة

إذا كنت لا تدري أين طفلك الأن … فأنت شريك في الجريمة

إذا كان لا علم لديك في أي الأمور يقضي طفلك وقته …فأنت شريك في الجريمة

إذا كنت لا تعرف شيئاً عن أصدقاء طفلك … فأنت شريك في الجريمة

لا تكونوا شركاء في الجريمة

أنقذوا أطفالكم.

أمل جمال

التعليقات

    1. صاحب المقالة
  1. Hend

    أبهرتيني كالعاده عندك حق في كل كلمه قولتيها لو الآباء فكروا بنفس ألطريقه مكنش يبقي في خوف ولا قلق علي اولادنا ربنا يحفظ اولادنا ويحمينا

    1. صاحب المقالة
      Amal Gamal

      شكرا يا هند
      أسعدني مرورك ونتمني كل الخير والأمان لكل الاطفال بالعالم

  2. محمد

    رسالة مهمة و خطيرة لينا كلنا … و طريقة العرض المبنية على أحداث واقعية متميزة جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *