زقاق جانبي

عاد مرة أخري لصلاة الجمعة في الجامع القريب.

ارتدي جلبابه الأبيض المكوي،وأخذ الشبشب في قدميه وغادر المكان.

في ذلك الوقت كانت امرأة تجلس علي بسطة بارتفاع ثلاث درجات في بيت مفتوح علي زقاق جانبي.

كانت تفتت كسرة خبز في حجرها ثم تلقي بالفتات الي دجاجاتها التي تلهو أمام الباب، وتلمح الناس الذين يمرون بالعرض في الشارع الذي ينحدر منه هذا الزقاق. وهي لاحظت النظرة الجانبية للعجوز الذي تمهل وهو يعبر أمامها في طريقه ناحية الجامع ويختفي لمدة خطوتين أو ثلاث، ثم وهو يتراجع بعد ذلك ويتوقف.

لم ينظر اليها شخصيا بل راح يتأمل الدجاج ويطيل النظر الي الدجاجة البنية ويتبعها بعينيه أينما ذهبت.

بعد ذلك رأته وهو ينصرف في اللحظة التي ارتفع فيها أذان الجمعة من مكبر الصوت القريب. والمرأة لم يكن عندها أى تفسير لهذا الموضوع.

لم يمر وقت طويل حتي أنتهت الصلاة، ورفعت وجهها لتجد الرجل نفسه يستقر في مدخل الزقاق. وهو لم يلبث أن تقدم والدجاجات تجري أمامه حتي وقف أسفل السلم ورفع وجهه اليها.

كان عجوزا جدا ويضع نظارة طبية وجلبابه نظيف ومكوي، وقال :

(نهارك سعيد يا هانم ). والمرأة التي كانت تجلس علي البسطة حصل عندها نوع من الدهشة الكبيرة لسببين، السبب الأول هو هذا الصوت الذي كانت تظن أنه قد لا يصدر الا عن رجل ممتليء، والسبب الأخر هو ( نهارك سعيد يا هانم ) التي لم تر أو تسمع أحدا يقولها بنفسه من قبل . وهي في هذه الأثناء كانت مدت يدها وجذبت ذيل الجلباب لتغطي أي شيء ظاهر من قدميها.

وقال: ( بخصوص الفرخة البني )

وأشر برأسه ناحية الفرخة المعنية.

المرأة بدورها لمحت الفرخة التي كانت تنقر عند الجدار ،وانتظرت.

قال: (أقصد الفرخة البني )

( مالها ؟ )

(يا تري فرختك؟ )

(أمال فرخة مين ؟ )

(الحقيقة ، مجرد سؤال )،

وفكر قليلا ، وأضاف : (يعني هي عندك مثلا من أيام ما كانت كتكوت ؟)

قالت: ( أيوه ).

( هي دي الاجابة اللي كنت عاوز أعرفها ، لا أكثر ولا أقل ).

وظل واقفا.

المرأة قالت بصوت خافت، وشيء من التوجس : ( طيب وانت بتسأل ليه بقي ؟ )

( من حقك تعرفي أنا بسأل ليه )،

وعدل من وضع نظارته علي عينيه : ( زمان يا ستي ، كان عندنا كتكوت بني، بنفس لون الفرخة دى. كان ضمن الكتاكيت اللي الحاجة اشترتها علشان تربيها. الكتكوت ده خرج من البيت وما رجعش، اختفي، وأنا أثناء مروري، لمحت الفرخة البني اللي عندك، وهي فكرتني بالكتكوت اللى خرج وما رجعش، وخطر في بالي اني أسألك ). وصمت فترة وقال : هو طبعا لا يصح ان الواحد يخطر في باله مثل هذا التفكير، لكن ده اللي حصل )

( دي عندنا من أيام ما كانت بيضة ،وفقست ).

( جميل جدا، الاجابة دي تضع حدا للموضوع كله )

وبدا عليه الارتياح وأخبرها أنه أبو سليمان الذي عنده شقة حجرتين وصالة في بيت عيد الذي يعمل في الاتصالات، وانه كان يعيش في شقة أخري حجرتين وصالة أيضا، وأضاف :

( شوفي حضرتك، أنا ممكن أقدر كل شيء. لكن المسألة باختصار هي زي ما قلت لك. احنا كان عندنا كتكوت بني تايه من سنين.صح؟).

قالت : ( صح).

(والفرخة البني اللي عندك فكرتني به، صح؟) .

قالت :(صح).

وبما ان السؤال خطر في بالي،يجري ايه لو سألتك؟).

( ولا حاجة ).

(الله ينور عليكي. تعرفي لولا أني سألتك ؟ كنت فضلت مشغول بالحكاية دي طول النهار والليل كمان . وأنا انشغلت بها فعلا وانا باصلي الجمعة . لكن بعد ما سألت، وحضرتك جاوبتي اجابة مقنعة، خلاص، الموضوع انتهي. تقدري تقولي لي ايه العيب في كده؟).

وهي شعرت أن شكله ليس غريبا بالفعل وظلت حريصة طول الوقت أن لا تأتي بأية حركة، وأن تظل علي الوضع نفسه الذي وجدها عليه عندما جاء، وقالت: ( أبدا ).

هز رأسه وقال: ( شوفي حضرتك. أنا ضيعت ستين سنة من عمري علي الأقل وانا عندي أسئلة من هذا النوع، نفسي أسألها ولا أقدر، لأني كنت محرج. ودي مأساة يا هانم، والدليل هو اللي حصل دلوقت، هل فيه أي ضررأصاب حضرتك من السؤال؟).

( ربنا ما يجبش حاجة وحشة ).

( علشان كده ، أنا قررت من ساعة وفاة الحاجة، ان أي سؤال يشغل بالي لازم أسأله علي طول. وانتي كمان، أي سؤال يشغلك أسأليه. دي نصيحتي ليكي. السؤال مش عيب أبدا . السؤال عيب؟).

(أبدا).

( أشكرك. سلام عليكم).

وعندما استدار وابتعد، بدأت تلم فتافيت العيش من حجرها لكي تقوم تنزل الدرجات الثلاث وتطل عليه من ناصية الزقاق لكي تراه وهو ذاهب. لكنها كسلت.

قعدت كما هي في انتظار أن يظهر أحد الجيران ، وتحكي له ما جري.

#من_المتتالية_القصصية_حجرتان_وصالة_للأديب_ابراهيم_أصلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *